أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

507

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ « 1 » يحتمل المعنيين . و « الحرث والنسل » وإن كانا في الأصل مصدرين فإنهما هنا واقعان موقع المفعول به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 206 ] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ : هذه الجملة الشرطية تحتمل الوجهين المتقدّمين في نظيرتها ، أعني كونها مستأنفة أو معطوفة على « يعجبك » وقد تقدّم أيضا أول السورة عند قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : لا تُفْسِدُوا « 2 » ما الذي قام مقام الفاعل ؟ وخلاف الناس فيه . قوله : بِالْإِثْمِ في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون للتعدية وهو قول الزمخشري فإنه قال : « أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه أي : حملته العزّة على الإثم وألزمته ارتكابه » . قال الشيخ « 3 » : « وباء التعدية بابها الفعل اللازم نحو : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ « 4 » ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ « 5 » ، وندرت التعدية بالباء في المتعدّي نحو : « صككت الحجر بالحجر » أي : جعلت أحدهما يصكّ الآخر . الثاني : أن تكون للسببية بمعنى أنّ إثمه كان سببا لأخذ العزّة له كما في قوله : 905 - أخذته عزّة من جهله * فتولّى مغضبا فعل الضّجر « 6 » والثالث : أن تكون للمصاحبة فتكون في محلّ نصب على الحال ، وفيها حينئذ وجهان : أحدهما : أن تكون حالا من « العزّة » أي : ملتبسة بالإثم . والثاني : أن تكون حالا من المفعول أي : أخذته ملتبسا بالإثم . وفي قوله : الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ التتميم وهو نوع من علم البديع ، وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللّبس وتقرّبها من الفهم ، وذلك أنّ العزّة تكون محمودة ومذمومة . فمن مجيئها محمودة : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ « 7 » أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ « 8 » ، فلو أطلقت لتوهّم فيها بعض من لا عناية له المحمودة فقيل « بالإثم » تتميما للمراد فرفع اللّبس بها .

--> - أي : خلصي قلبي من قلبك بمعنى : إن كان في خلقي ما ترتضينه * فاقطعي أمري من أمرك ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 96 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 11 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيظ ( 2 / 117 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 17 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 20 ) . ( 6 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 117 ) . ( 7 ) سورة المنافقون ، آية ( 8 ) . ( 8 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) .